فصل: تفسير الآيات (9- 16):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: البحر المديد في تفسير القرآن المجيد (نسخة منقحة)



.سورة طه:

.تفسير الآيات (1- 8):

{طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآَنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَا (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (5) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (6) وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (7) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (8)}
قلت: عن ابن عباس أن طه من أسماء الله تعالى، وقيل: معناه: طوبى لمن هدى، وقيل: يا طاهر يا هادي، فالطاء تشير إلى طهارته صلى الله عليه وسلم وتطهيره من دنس الحس، والهاء تشير إلى هدايته في نفسه، وهدايته غيره إلى حضرة القدس.
ورُوِيَ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لي عشرة أسماء...» فذكر أن منها «طه ويس»، وقيل: معناه: طِئ الأرض بقدمك؛ لأنه كان يرفع رِجْلاً في الصلاة ويضع أخرى في طول تهجده، فأبدل الهمزة ألفًا، والضمير للأرض، ورُد بأنه لو كان كذلك لكُتبت بالألف، فإنَّ الكتابة بصورة الحرف مع التلفظ بخلافه من خصائص حروف المعجم. وقيل: معناه: يا رجل. وهو مروي عن ابن عباس والحسن ومجاهد وغيرهم، وهو عندهم على اللغة النبطية، أو السريانية. قيل: من جعل معنى طه يا رجل، لم يقل على طه، وكذا من جعله اسمًا للنبي صلى الله عليه وسلم؛ لأن النداء تنبيه على ما بعده، ومن جعلها افتتاحًا، أو على وجه من الوجوه المذكورة في البقرة، وقف عليها، إلا في قول من جعلها قَسَمًا، فإنه لا يقف عليها؛ لأن قوله: {ما أنزلنا...} إلخ جواب قسم.
قلت: المتبادر من سبب نزولها ومن قوله: {ما أنزلنا}: إما القسم أو النداء، فالقَسَم على أن ذلك من أسماء الله، والنداء على كون ذلك بمعنى يا رجل، أو من أسمائه صلى الله عليه وسلم. وأمَّا غير ذلك فبعيد، إلا أن يكون ما بعد ذلك استئنافًا بعد الوقف على طه. قاله في الحاشية.
و{إلاَّ تذكرة}: مفعول لأجله. والاستثناء منقطع، أي: ما أنزلناه لتتعب به، لكن أنزلناه للتذكرة والوعظ، و{تنزيلاً}: مصدر مؤكد لمضمر مستأنف مقرر لما قبله، أي: أنزل تنزيلاً، والأصح: أنه بدل من اللفظ بفعله الناصب له، فلا يجمع بينه وبين المبدل منه، وفيه معنى التأكيد لما قبله، أو هو نص في معناه، وإنما تلون الكلام بالالتفات، أو منصوب على المدح والاختصاص، أو مفعول بيخشى، أو حال من القرآن، و{الرحمن}: رفع على المدح، وقد عرفت أن المرفوع مدحًا، في حكم الصفة الجارية على ما قبلها، وإن لم يكن تابعًا له في الإعراب، ولذلك ألزموا حذف المبتدأ؛ ليكون في صورة متعلقٍ من متعلقاته. وقرئ بالجر؛ صفةً للموصول، وما قيل من أن الموصولات لا تُوصف إلا بالذي وحده فمذهب كوفي، أو {الرحمن}: مبتدأ، و{على العرش}: خبره. و{على}: متعلقة باستوى، قُدمت للفواصل. و{إن تجهر}: شرط، والجواب محذوف دل عليه {فإنه...} إلخ، أي: فالله غني عن جهرك، فإنه.
.. إلخ.
يقول الحقّ جلّ جلاله: تسلية لرسوله صلى الله عليه وسلم، أو ترويحًا له من التعب: يا محمد {ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى} أي: لتتعب نفسك بالمجاهدة في العبادة.
رُوِيَ أنه صلى الله عليه وسلم كانَ يَقُومُ باللّيل حَتَّى تَوَرّمَتْ قَدَمَاهُ، فقَالَ لهُ جِبْرِيلُ عليه السلام: «أبْق عَلى نَفْسِكَ، فإِنَّ لَها عَلَيْكَ حَقًا». أي: ما أنزلناه عليك لتتعب بنهك نفسك وحملها على الرياضَات الشاقة، والشدائد الفادحة، وما بعثتَ إلا بالحنيفية السمحة. أو: ما أنزلناه لتتعب نفسك في تبليغه بمكابدة الشدائد في مقاومة العتاة ومحاورة الطغاة، وفرط التأسف على كفرهم والتحسر على إيمانهم، كقوله: {لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ أَلاَّ يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ} [الشُّعَرَاء: 3]، بل للتبليغ، وقد فعلت. وإطلاق الشقاء في هذا المعنى شائع، ومنه قولهم: أشقى من رائض مُهر، وقيل: إن أبا جهل والنضر بن الحارث قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: إنك شقي، حيث تركت دين آباءك، وما نزل عليك هذا القرآن إلا لتشقى، فردَّ اللهُ ذلك عليهم. والأول أظهر، والعموم أحسن، فإنه نفى عنه جميع الشقاء في الدنيا والآخرة.
{إِلا تذكرةً لمن يخشى} أي: ما أنزلناه لتتعب، لكن أنزلناه تذكرة وموعظة لمن يخشى الله- عزّ وجلّ-، ليتأثر بالإنذار، لرقة قلبه ولين عريكته، أو لمن عَلِمَ الله أنه يخشى بالتخويف، وتخصيصها بهم مع عموم التذكرة والتبليغ؛ لأنهم المنتفعون بها.
{تنزيلاً} أي: أنزل تنزيلاً، أو حالَ كَوْنِ القرآن تنزيلاً، أي: منزلاً {ممّن خلق الأرض والسماوات العلى}، ونسبة التنزيل إلى الموصول بعد نسبته إلى نون العظمة بقوله: {ما أنزلنا}؛ لبيان فخامته تعالى بحسب الأفعال والصفات، إثر بيانها بحسب الذات بطريق الإبهام، ثم التفسير لزيادة تحقيق وتقرير. وتخصيص خلقهما بالذكر؛ لتضادهما. وتقديم الأرض لكونه أقرب إلى الحس، ووصف السماوات بالعُلى، وهو جمع عليا؛ لتأكيد الفخامة مع ما فيه من مراعاة الفواصل. وكل ذلك إلى قوله: {له الأسماء الحسنى}، مسوق لتعظيم المنزل- عزّ وجلّ- المستتبع بتعظيم المنزَّل عليه، الداعي إلى تربية المهابة وإدخال الروعة، المؤدية إلى استنزال المتمردين عن رتبة العتو والطغيان، واستمالتهم إلى الخشية، المفضية إلى التذكير والإيمان.
ثم قال تعالى: {الرحمنُ} أي: هو الرحمن، ووصف تعالى بالرحمانية إثر وصفه بالخالقية؛ للإيذان بأن ربوبيته تعالى، وقيامَه بالأشياء، من طريق الرحمة والإحسان، لا بالإيجاب، وفيه إشارة إلى أن تنزيله القرآن أيضًا من رحمته- تعالى-، كما ينبئ عنه قوله عزّ من قائل: {الرحمن عَلَّمَ القرآن} [الرَّحمن: 1، 2]. أو: {الرحمن على العرش استوى}: مبتدأ وخبر، وجعل الرحمة عنوان الموضوع الذي من شأنه أن يكون معلوم الثبوت للموضوع عند المخاطب؛ للإيذان بأن ذلك أمر بيِّن لا خفاء فيه، غني عن الإخبار صريحًا.
والاستواء على العرش مجاز عن المُلك والسلطان، يقال: استوى فلان على سرير الملك؛ مرادًا به مَلَك الملك والتصرف، وإن لم يقعد على سرير أصلاً، والمراد: تعلق قدرته وقهريته في جميع الكائنات بالتدبير والتصرف التام.
وسُئل أحمد بن حنبل عن الاستواء، فقال: استواء مَنْ غَلَبَ وقهر، لا استواء كما يتوهم البشر. وسئل عنه مالك والشافعي- رضي الله عنهما- فقالا: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عن هذا بدعة وضلالة، آمنوا بلا تشبيه، وصدّقوا بلا تمثيل، وأمسكوا عن الخوض في هذا كل الإمساك.
وقال الجنيد رضي الله عنه: خلق الله العرش فوق سبع سماوات، وجعله قبلة لدعاء المخلوقات، وقابله بقلب عبده المؤمن، ليكون محلاً للتجليات والتنزلات والمخاطبات. اهـ. وقد تقدم الكلام عليها في الأعراف مستوفيًا.
{له ما في السماوات وما في الأرضِ}، سواء كان ذلك بالجزئية منهما أو بالحلول فيهما، {وما بينهما} من الموجودات الكائنة في الجو دائمًا، كالهواء والسحاب، أو أكثريًا؛ كالطير، أي: له ذلك وحده دون غيره، لا شركةً ولا استقلالاً، كل ما ذكر هو له؛ ملكًا وتصرفًا، وإحياء وإماتة، وإيجادًا وإعدامًا، {وما تحت الثرى}: وما وراء التراب المتصل بالهوى السفلى. وعن محمد بن كعب: أنه ما تحت الأرضين السبع. وعن السدي: أن الثرى هو الصخرة التي عليها الأرض السابعة، وذكره مع دخوله تحت ما في الأرض؛ لزيادةِ التقرير. {وإِن تجهر بالقول} أي: وإن تجهر بذكره تعالى- أو دعائه-، فاعلم أنه تعالى غني عن جهرك؛ {فإِنه يعلمُ السرَّ وأخْفَى} أي: ما أسررته إلى غيرك، وشيئًا أخفى من ذلك، وهو ما أخطرته ببالك، من غير أن تتفوه به أصلاً أو:: السر: ما أسررته في نفسك، وأخفى منه: ما ستُسره في المستقبل. وهو إمّا نهي عن الحركة، كقوله تعالى: {واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ} [الأعرَاف: 205]، وإما إرشاد للعباد إلى أن الجهر ليس لإسماعه تعالى؛ بل لغرض آخر من تأنيس النفس بالذكر وتثبيته فيها، ومنعها من الاشتغال بغيره، وقطع الوسوسة عنها، وهضمها بالتضرع والجؤار. هذا والغرض من الآية: بيان إحاطة علمه تعالى بجميع الأشياء، إثر بيان سعة سلطانه وشمول قدرته بجميع الكائنات.
ثم بيَّن الموصوف بتلك الكمالات، فقال: {الله} أي: ما ذكر من صفات الكمال، موصوفها الله المعبود بالحق، {لا إِله إِلا هو} أي: لا معبود بحق إلا هو، ولا مستحق للعبادة إلا هو. وهو تصريح بما تضمنه ما قبله من اختصاص الألوهية به سبحانه، فإنَّ ما أسند إليه تعالى من خلق جميع الموجودات، ومن الرحمانية والمالكية للكل، والعلم الشامل، يقتضي اختصاصه تعالى بالألوهية والربوبية، وقوله تعالى: {له الأسماء الحسنى} بيان لكون ما ذكر من الخالقِية والرحمانية والمالكية والعالِمِية أسماءه تعالى وصفاته، من غير تعدد في ذاته تعالى؛ فالأسماء والصفات كثيرة، والمسمى والموصوف واحد.
و{الحسنى}: تأنيث الأحسن، فُعلى، يُوصف به الواحد المؤنث، والجمع المذكر والمؤنث، ك {مَآرِبُ أخرى} [طه: 18]، و{آيَاتِنَا الكبرى} [طه: 23]. والله تعالى أعلم.
الإشارة: من تأمل القرآن العظيم، وما جاء به الرسول- عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- وجده يدل على ما يُفضي إلى الراحة دون التعب، وإلى السعادة العظمى دون الشقاء، لكن لا يتوَصل إلى الراحة إلا بعد التعب، ولا يُفضي العبد إلى السعادة الكبرى إلا بعد الطلب، فإذا اجتهد العبد في طلب ربه، وكله إلى شيخ ينقله من عمل الجوارح إلى عمل القلوب، فإذا وصل العمل إلى القلب استراحت الجوارح، وأفضى حينئذ إلى رَوْح وريحان، وجنة ورضوان، أعني جنة العرفان. ولذلك قال الشيخ أبو الحسن: «ليس شيخك من يدلك على تعبك، إنما شيخك من يريحك من تعبك»، كما في لطائف المنن.
وقال شيخنا القطب ابن مشيش: وقد سُئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: «يَسِّرُوا ولا تُعَسِّرُوا» فقال: دلوهم على الله، ولا تدلوهم على غيره، فإن من دَلَّك على الدنيا فقد غشك، ومن دلَّك على العمل فقد أتعبك، ومن دلَّك على الله فقد نصحك. اهـ. فإذا دلك على الله غَيَّبك عن وجود نفسك بشهود ربك، وهي السعادة العظمى، كما تقدم في سورة هود. فمن اتخذ شيخًا ثم لم ينقله من مقام التعب، ولم يُرحله من مقام إلى مقام، فاعلم أنه غير صالح للتربية.
وقوله تعالى: {إِلا تذكرة لمن يخشى}، قال شيخ شيوخنا سيدي عبد الرحمن العارف: قيل: أنزل اللهُ القرآنَ لتذكير سابق الوصال؛ لأن الأرواح لمّا دخلت الأشباح اكتسبت خشية ووحشة وفرقة عن معادنها، فأنزل الله القرآن تأنيسًا؛ لأن المحب يأنس بكتاب حبيبه وكلامه. وقال جعفر الصادق: أنزل اللهُ القرآنَ موعظةً للخائفين، ورحمة للمؤمنين، وأنسًا للمحبين. وايضًا: القرآن يُذَكّر عظمة الله الموجبة خشيته، فهو مُذهب للغفلة. ثم قال: وفي الشهود الحاصل بالتذكير رفعُ المشقة، ووجدان الراحة بالطاعة، لكونه يصير محمولاً، وقد قال: {وَأَقِمِ الصلاة لذكريا} [طه: 14]، أي: لشهودي فيها، وفي ذلك قرة عين، وراحةً، وأنس، وتشابه حال المصلي بحال موسى، بجامع النجوى، فلذلك ذكر في سياقه. والله أعلم. اهـ.
وقوله تعالى: {الرحمنُ على العرش استوى}، تفسيرها هو الذي قصد ابن عطاء الله في الحِكَم بقوله: يا من استوى برحمانيته على عرشه، فصار العرش غيبًا في رحمانيته، كما صارت العوالم غيبًا في عرشه، مَحَقْتَ الآثار بالآثار، ومحوت الأغيار بمحيطات أفلاك الأنوار. وأنت خبير بأن الرحمانية وصف لازم للذات، والصفة لا تفارق الموصوف، فإذا استوت الرحمانية على العرش وغمرته؛ فقد استوت عليه أسرار الذات وغمرته، وهي أفلاك الأنوار التي أحاطت بالعرش والآثار، ومحت كل شيء، حتى لم يبق إلا الذي ليس كمثله شيء، وليس معه شيء، وهو السميع البصير. وما نسبة حس الآثار بالنسبة إلى أفلاك الأسرار التي استوت عليه إلا كالهباء في الهواء. والله تعالى أعلم وأعظم.

.تفسير الآيات (9- 16):

{وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (9) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آَنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آَتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (10) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَى (11) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (12) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (13) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (14) إِنَّ السَّاعَةَ آَتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى (15) فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (16)}
قلت: قال القشيري: أجرى الله سنته في كتابه أن يذكر قصة موسى في أكثر المواضع التي يذكر فيها حديث نبينا- عليه الصلاة والسلام- يتبعه بذكر موسى، تنبيهًا على علو شأنه، لأنه كما أن التخصيص بالذكر يدل على شرف المذكور، فالتكرير في التفصيل يوجب التفضيل، في الوصف؛ لأن القضية الواحدة إذا أعيدت مرارًا كثيرة كانت في باب البلاغة أتم، ولاسيما في كل مرة فائدة زائدة. اهـ.
قلت: ولعل وجه تناسقهما في الذكر قرب المنزلة، ومشاركة الصفة، وذلك باعتبار المعالجة وهداية الأمة، فإن أمة موسى عليه السلام كانت انتشرت فلم يقع لنبي هداية على يديه لقومه مثله، إلا لنبينا- عليه أفضل الصلاة وأزكى التسليم- فإن أمته انتشرت وشاعت مسير الشمس والقمر، وفي حديث البخاري ما يدل على هذا، حين عرضت عليه الأمم صلى الله عليه وسلم مرة، فرأى أمة موسى عليه السلام كثيرة، ثم رأى أمته قد سدت الأفق. فانظر لفظه فيه.
وقال أبو السعود: المناسبة إنما هي تقرير أمر التوحيد الذي إليه انتهى مَسَاق الحديث، وبيان أنه مستمر فيما بين الأنبياء، كابرًا عن كابر، وقد خوطب به موسى عليه السلام، حيث قيل له: {إِنني أنا الله لا إِله إِلا أنا فاعبدني}، وبه ختم عليه السلام مقاله، حيث قال: {إِنَّمَآ إلهكم الله الذي لا إله إِلاَّ هُوَ} [طه: 98]، ثم ردَّ مناسبة التسلية بأن مساق النظم الكريم إنما هو لصرفه عليه السلام عن اقتحام المشاق. فانظره. و{هل}: لفظة استفهام، والمراد به التشويق لما يخبره به، أو التنبيه. و{إذ رأى}: ظرف للحديث؛ لأن فيه معنى الفعل، أو لمضمر مؤخر، أي: حين رأى كان كيت وكيت، أو: لاذكر، أي: اذكر وقت رؤيته... إلخ.
يقول الحقّ جلّ جلاله: {وهل أتاك حديثُ موسى}: أي: قصته في معالجة فرعون، فإنا سنذكرها لك تسلية وتقريرًا لأمر التوحيد، {إِذْ راى نارًا} تلمع في الوادي، وذلك أنه عليه السلام استأذن شعيبًا عليه السلام في الخروج إلى أمه وأخيه، فخرج بأهله، وأخذ على غير الطريق، مخافةً من ملوك الشام، فلما وافى وادي طُوى، وهو بالجانب الغربي من الطور، وُلد له ولد في ليلة مظلمة شاتية مثلجة، وكانت ليلة الجمعة، وقد ضل عن الطريق، وتفرقت ماشيته، ولا ماء عنده، فقدحَ النار فلم تُورِ المِقْدَحة.
فبينما هو في ذلك {إِذْ رأى نارًا} على يسار الطريق من جانب الطور، {فقال لأهله امكثوا} أي: أقيموا مكانكم. أمرهم عليه السلام بذلك؛ لئلا يتبعوه، كما هو المعتاد من النساء. والخطاب للمرأة والخادم والولد، وقيل: لها وحدها، والجمع للتعظيم، {إِني آنستُ} أي: أبصرت {نارًا}، وقيل: الإيناس خاص بإبصار ما يُؤنس به.
{لعلّي آتيكم منها بقَبَس} أي: بشعلة مقتبسة من معظم النار، وهو المراد بالجذوة في سورة القصص، وبالشهاب القبس، {أو أجدُ على النار هُدىً}؛ هاديًا يدلني إلى الطريق، فهو مصدر بمعنى الفاعل، و{أوْ} في الموضعين: لمنع الخلو، لا لمنع الجمع؛ إذ يمكن أن يقتبس من النار ويجد هاديًا. ومعنى الاستعلاء في قوله: {على النار}؛ لأن أهلها يستعلون عليها عند الاصطلاء، ولما كان الإيتاء بها غير محقق، صدَّر الجملة بكلمة الترجي.
{فلما أتاها} أي: النار التي آنسها. قال ابن عباس رضي الله عنه: رأى شجرة خضراء، حفت بها، من أسفلها إلى أعلاها، نارٌ بيضاء، تتَقِدُ كأضوء ما يكون، فوقف متعجبًا من شدة ضوئها، رُوي أن الشجرة كانت عوسجة، وقيل: سَمُرَة... بينما هو ينظر، {نُودي} فقيل: {يا موسى إِني أنا ربك}، أو بأني أنا ربك، وتكرير الضمير؛ لتأكيد الدلالة، وتحقيق المعرفة وإماطة الشبهة. يروى أنه لما نودي يا موسى، قال عليه السلام: مَن المتكلم؟ فقال الله عزّ وجلّ: {أنا ربك}، فوسوس إليه الخاطر: لعلك تسمع كلام شيطان، قال: فلما قال: {إنني أنا}، عرفت أنه كلام الله عزّ وجلّ. قيل: إنه سمعه من جميع الجهات بجميع الأعضاء.
ثم قال له: {فاخلع نعليك}؛ لأنه أليق بحسن الأدب، ومنه أخذ الصوفية- رضي الله عنهم- خلع نعالهم بين يدي المشايخ والأكابر، وقيل: ليباشر الوادي المقدس بقدميه، ومنه يؤخذ تعظيم المساجد، بخلعها ولو طاهرة، وقيل: إن نعليه كانتا من جلد حمار غير مدبوغ. وقيل: النعلين: الكونين، أي: فرغ قلبك من الكونين إن أردت دخول حضرتنا. وقوله تعالى: {إِنك بالوادِ المقدَّس}: تعليل لوجوب الخلع، وبيان لسبب ورود الأمر بذلك. رُوي أنه عليه السلام خلعهما وألقاهما وراء الوادي، و{طُوى}: بدل من الوادي، وهو اسم له. وقُرئ منونًا؛ لتأوله بالمكان، وغير المنون؛ لتأوله بالبقعة.
{وأنا اخترتُك} أي: اصطفيتُكَ للنبوة والرسالة، وقرأ حمزة: {وإنَّا اخترناك} بنون العظمة، {فاستمع لما يُوحى} أي: للذي يُوحى إليك، أو لوحينا إليك، وهو: {إِنني أنا الله لا إِله إِلا أنا}، فالجملة بدلَ من ما. {فاعبدني}؛ أَفردني بالعبادة والخضوع، والفاء لترتيب ما بعدها على ما قبلها، فإن اختصاص الألوهية به سبحانه من موجبات تخصيص العبادة به تعالى. {وأقم الصلاة لذكري}: لتذكرني فيها؛ لاشتمالها على الأذكار، وأُفردت بالذكر، مع اندراجها في الأمر بالعبادة؛ لفضلها على سائر العبادات؛ لما نيطت به من ذكر المعبود، وشغل القلب واللسان بذكره، فإنَّ الذكر كما ينبغي لا يتحقق إلا في ضمن العبادة.
أو {لذكري}: لإخلاص ذكري وابتغاء وجهي، بحيث لا تُرائي بها غيري. وقيل: لذكري إياها، وأمري بها في الكتب، أو لأن أذكرك فيها بالمدح والثناء، وقيل: لأوقات ذكري، وهي مواقيت الصلوات، وقيل: لذكر صلاتي إذا نسيتها، لما رُوِيَ أنه عليه الصلاة والسلام قال: «مَنْ نَامَ عَنْ صَلاَة، أَوْ نَسِيَها، فَلْيُصلِّهَا إِذَا ذَكَرَهَا؛ لأنَّ الله تَعالى يَقُول: {وأقم الصلاة لذكري}».
قال بعضهم: أصول العمل ثلاثة: أقوال وأفعال وأحوال، فأفضل الأقوال: لا إله إلا الله، وأفضل الأفعال: الصلاة لله أو بالله، وأفضل الأحوال: الطمأنينة بشهود الله.
{إِن الساعة آتيةٌ}: كائنة لا محالة، وهو تعليل لوجوب العبادة وإقامة الصلاة، وإنما عبَّر بالإتيان؛ تحقيقًا لحصولها، بإبرازها في معرض أمر محقق متوجه نحو المخاطبين. {أكادُ أُخفيها} أي: لا أظهرها، بأن أقول: آتية فقط، فلا تأتي إلا بغتة، أو أكاد أظهرها بإيقاعها، مِنْ أخفاه، إذا أظهره، فأخفى- على هذا- من الأضداد. وردّه ابن عطية، فإن الذي بمعنى الظهور هو: خفى؛ الثلاثي، لا أخفى. وقال الزمخشري: قد جاء في بعض اللغات: أخفى بمعنى خفى، أي: ظهر، فلا اعتراض.
ونقل الثعلبي عن ابن عباس وأكثر المفسرين أن المعنى: أكاد أخفيها عن نفسي، فكيف عن غيري؟ وكذلك هو في مصحف أُبي، وفي مصحف عبد الله: فكيف يعلمها مخلوق، وفي بعض القراءات: وكيف أظهرها لكم؟ قال قطرب: فإن قيل: كيف يُخفي الله تعالى عن نفسه، وهو خَلَق الأشياء؟ قلنا: إن الله تعالى كلم العرب بكلامهم الذي يعرفونه. انظر بقية كلامه.
وظهور علاماتها لا يزيل إخفاءها. قال ابن عرفة في تفسيره: وإذا ظهرت عند وقوع الأشراط لم ينسلخ عنها معنى الخفاء المتقدم، غاية الأمر أنها بذكر الأشراط وسط بين الإخفاء والإظهار، فتكون مقاربة لكل واحد منهما. اهـ.
وقوله تعالى: {لتُجزى كُلُّ نفس بما تسعى} متعلق بآتية، أو بأُخفيها- على معنى: أظهرها-، لتُجزى كل نفس بسعيها، أي: بعملها خيرًا كان أو شرًا. {فلا يَصُدَّنك عنها} أي: عن ذكر الساعة ومراقبتها والاستعداد لها {مَن لا يؤمن بها} حتى تكسَل عن التزود لها. والنهي- وإن كان بحسب الظاهر متوجهًا للكافر عن صدر موسى عليه السلام- لكنه في الحقيقة نهى له عليه السلام عن الانصداد عنها، على أبلغ وجه، فإنَّ النهي عن أسباب الشيء المؤدية إليه نهي عنه بالطريق البرهاني، كقوله تعالى: {لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شقاقي} [هُود: 89]، أي: لا تتبع في الصد عنها من لا يؤمن بها {واتَّبعَ هواه} أي: ما تهواه نفسه من اللذات الفانية، {فَتَرْدَى}: فتهلك؛ فإنَّ الإغفال عنها، وعن تحصيل ما يُنجي من أهوالها، مستتبع للهلاك لا محالة. وبالله التوفيق.
الإشارة: وهل أتاك أيها العارف حديث موسى، كيف سار إلى نور الحبيب، ومناجاة القريب، إذ رأى نارًا في مرأى العين، وهو نورُ تَجَلِّي الحبيب بلا بين، فقال لأهله ومن تعلق به: امكثوا، أقيموا في مقام الطلب، واصبروا وصابروا ورابطوا على قلوبكم، في نيل المُطَّلَبِ، إني آنست نارًا، وهو نور وجه الحبيب في مرائي تجلياته، وهذا مقام الفناء، لعلي آتيكم منها بقبس، تقتبسون منه أنوارًا لقلوبكم وأسراركم.
أو أجد على النار هدى يهديني إلى مقام البقاء والتمكين، فلما أتاها، وتمكن من شهودها، نودي يا موسى: إني أنا ربك، فلا نار ولا أثر، وإنما وجه الحبيب قد تجلى وظهر، في مرأى الأثر، فاخلع نعليك، أي: اخرج عن الكونين إن أردت شهود حضرة المكون، كما قال القائل:
واخلع النعلين إن جئتَ إلى ** ذلك الحي ففيه قدسنا

وعن الكونين كن منخلعا ** وأزل ما بيننا من بَيْنِنَا

إنك بالواد المقدس، أي: بحر حضرة القدس ومحل الأنس، قد طويت عنك الأكوان، وأبصرت نور الشهود والعيان، وأنا اخترتك لحضرتي، واصطفيتك لمناجاتي، فاستمع لما يوحى إليك مني، فأنا الله لا إله إلا أنا وحدي، فإذا تمكنت من شهودي، فانزل لمقام العبودية؛ شكرًا، وأقم الصلاة لذكري، إن الساعة آتية لا محالة، فأُكرم مثواك، وأُجل منصبك، وأرفعك مع المقربين، فلا يصدنك عن مقام الشهود أهلُ العناد والجحود، فتسقط عن مقام القرب والأنس، وتصير في جوار أهل حجاب الحس، ولعل هذا المنزع هو الذي انتحى ابنُ الفارض، حيث قال في كلام له:
آنسْتُ في الحَيّ نارًا ** لَيْلاً فَبَشّرْتُ أهلي

قُلْتُ امْكُثُوا فلَعلّي ** أجِدْ هُدايَ لَعَلّي

دَنَوْتُ مِنها فكانَتْ ** نار التكلم قبلي

نودِيتُ منها كفاحًا ** رُدّوا لَياليَ وَصْلي

حتى إذا مال تَدانَى ال ** ميقاتُ في جَمْعِ شَملي

صارَتْ جِباليّ دكًا ** منْ هيبَةِ المُتَجَلّي

ولاحَ سرًّ خَفيٌ ** يدْرِيه مَنْ كَانَ مِثْلي

فالموتُ فِيهِ حياتي ** وفي حَياتيَ قَتلي

وصِرْتُ مُوسَى زَمَاني ** مذ صار بَعْضِيَ كُلي

قوله: «صارت جبالي دكًّا» أي: جبال وجوده، فحصل الزوال من هيبة نور المتجلي، وهو الكبير المتعال. وهذا إنما يكون بعد موت النفس وقهرها، فإنها حينئذ تحيا بشهود ربها، حياة لا موت بعدها. وقوله: «مذ صار بعضي كلي»، يعني: إنما حصلت له المناجاة والقرب الحقيقي حين فنيت دائرة حسه، فاتصل جزء معناه بكل المعنى المحيط به، وهو بحر المعاني المُفني للأواني. وبالله التوفيق.